www.almasar.co.il
 
 

منحة 23 ألف شيقل عند بلوغ سن 21 هدية من الدولة

علم مراسل موقع وصحيفة "المسار" انه بتداء من شهر كانون الثاني 2017 ستقوم...

ام الفحم تزف شهداءها.. الآلاف يشيعون جثامين الشبان الثلاثة محمد جبارين منفذي عملية القدس

التزمت مدينة أم الفحم مع أبنائها الشهداء، محمد ومحمد ومحمد جبارين،...

ما هي الطرق للحصول على صديقات جدد

وسعي دائرة معارفك بمجرد الانتهاء من الدراسة سوف تلاحظين بأن العدد...
  هل تتوقع ان تكون السنة الجديدة 2020 افضل من سابقتها بالنسبة لمجتمعنا العربي في البلاد؟

نعم

لا

لا رأي لي

ام الفحم 22-32
الناصرة 31-20
بئر السبع 33-21
رامالله 32-22
عكا 29-23
يافا تل ابيب 29-24
القدس 32-18
حيفا 31-23

عَوْدَةُ البَابَادُوك.. بقلم: د. نور الدّين محاجنة

التاريخ : 2020-02-05 13:51:08 |




كَانَتْ دَقَّاتُ عَقَارِبِ السَّاعَةِ تُلَاحِقُنِي، وَكُنْتُ أُحَاوِلُ الاخْتِبَاءَ مِنْهَا بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى، فَتَارَةً كُنْتُ أَلْزَمُ سَريرِيَ، أُعالِجُ إِضَاعَةَ الوَقْتِ، وَأَنَا أَتَمايَلُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَتَارَةً كُنْتُ أَغوَصُ فِي سَبْرِ الكَلِماتِ، أُداعِبُها بِمُخَيِّلَتِي، الَّتِي كَانَتْ تُطِلُّ عَلَى جَزيرَةِ أَفْلَاطُونِيَّةٍ .
وَكَانَ المَرَضُ الَّذِي أَلَمَّ بِي، فَأَقْعَدَنِي فِي سَريرِي مُذُ مَا يَقْرُبُ سَنَةً، كَفيلًا أَنْ أُفارِقَ مَعَهُ جَميعَ زُمَلَائِي. وَلِلْحَقِّ فَبَعْدَ أَنْ اسْتَفْحَلَ المَرَضُ، وَانْتَشَرَ بَيْنَ أَضْلُعي، لَمْ أَجِدْ بَعْدَ اللَّهِ مَنْ يَتَفَقَّدُنِي سِوَى أُمِّي .
وَغَابَتْ يَوْمًا أُمِّي عَنْ البَيْتِ- وَلَيْسَ مِنْ عَادَتِهَا ذَلِكَ- فَافْتَقَدُّتَهَا أَشَدُّ مَا يَفْتَقِدُ الرَّضيعُ صَدَرَ أُمِّهِ الحَنونَ، وَتَعَجَّلْتُ التَّفْكيرَ أُعَلِّلُ سَبَبَ تَأَخُّرِها، فَشَرَّقَتُ وَغَرَّبْتُ، وَقارَبْتُ وَبَاعَدْتُ، وَلَعَلِّي سافَرَتُ بِقِطارٍ كَانَتْ كُلُّ مَحَطَّةٍ يَحُطُّ بِهَا تَقُودُنِي إِلَى عَالَمِ الْبَابَادُوكِ .
اِشْتَقْتُ إِلَى أُمِّي أَنَا...! وَبَدَأْتُ أَصْرُخُ: أُمِّي أُمِّي أُمِّي... أَيْنَ أَنْتِ يَا أُمِّي؟! أَنَا هِنْدُ يَا أُمِّي، تَعَالي! أَنَا خَائِفَةٌ جِدًّا يَا أُمِّي، لَا تَتْرُكيني لَلْبَابَادُوكِ يَا أُمِّي...
تَحَامَلْتُ عَلَى نَفْسِي، فَانْتَفَضْتُ مِنْ فِرَاشِي، وَقَدْ قَادَنِي الهَلَعُ وَالفَزَعُ أَتَحَسَّسُ كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، أَشُمُّ بِهَا رَائِحَةَ أُمِّي الغَائِبَةِ.
وَشَرَعَتُ فِي البُكَاءِ وَاَلْنَّحيبِ: وَحيدَةٌ أَنَا فِي البَيْتِ، أُمِّي يَا أُمِّي! أَيْنَ أَنْتِ يَا أُمِّي؟! لَمْ تَكُنْ لِتُشْغَلَ عَنِّي إِلَّا لِأَمْرٍ عَظيمٍ! أَيُعْقَلُ أَنَّهَا. . .! لَا لَا لَا، لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، مِنَ المـُسْتَحيلِ أَنْ يَكونَ قَدْ جَرَى لَهَا حاجَةٌ، هِيَ أَقْوَى مِنْ كُلِّ الْحَاجَاتِ، هِيَ أَفْضَلُ امْرَأَةٍ فِي هذهِ الدُّنْيَا، وَلَنْ يُصيبَها أَيُّ مَكْرُوهٍ قَطُّ، لَعَلَّهَا ذَهَبُتْ إِلَى قَبْرِي والِدِي تَعودُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ سُرْعانَ مَا تَعودُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهَا لَنْ تَتَأَخَّرَ عَنِّي، وَسَتَعودُ مِنْ عِنْدِ قَبْرِ والِدِي قَويَّةً صُلْبَةً، وَسْتُحْدِّثُنِي عَنْ قَصَصِ عَنْتَرَةَ وَأَبِي زَيْدٍ الهِلاليِّ، كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ دَائِمًا .
وَلَمَّا تَأَخَّرَتْ عَنْ الحُضورِ، الْتَمَسْتُ أَشُمُّ رِيحَهَا، هُنَا وَهُنَاكَ، وَفِي كُلِّ زاوِيَةٍ، وَفِي كُلِّ رُكْنٍ كَانَتْ تُصَافِحُهُ بِحَنانِها، اَلَّذِي لَا يَنْضَبُ، وَشَرَعُتُ أَتَفَقَّدُ نَبْضَها بِنَبْضِي، واسْتَجْمَعْتُ فِي قَلْبِي الحَزينِ صُوَرًا لَا تَنْتَهي لَهَا.
دَخَلُتُ وَحيدَةً إِلَى غُرْفَتَي، والدَّمْعُ يُلَاحِقُنِي، وَعَلَى سَريرِنا الثُّنَائِيِّ، تَبْتَسِمُ لِي أُمِّي بِلَا حَراكٍ، جُثَّةً هَامِدَةً، قَدْ ضَمَّتْ نَحْوَ قَلْبِها بِيُمْنَاهَا صورَةَ والِدِي، وَبِيَدِهَا اليُسْرَى الهَزِيلَةِ صورَةً لِي، وَأَنَا طِفْلَةٌ صَغيرَةٌ أُسْعِفُهَا بِعُنْقودِ العِنَبِ.
- أُمِّي، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكِ لَا تَمـُوتِي، أُمِّي لَا تَرْحَلِي عَنِّي...
- أُمِّي، أَنْتِ تَعْلَمِي أَنَّني أُحِبُّكِ أَكْثَرَ مِنْ وَالدِي، فَلِمَاذَا إِلَيْهِ تَرْحَلِ عَنِّي؟!
- أُمِّي، أَنَا لَمْ أَعُدْ أَخَافُ البَابَادُوك، تَكَلَّمِي، خَاطِبيني، حَدِّثيني وَانْظُرِي إِلَيَّ، إِلَى حَبيبَتُكِ الغَالِيَةُ.
وَانْهَارَ جَسَدِي عَلَى حِجْرِهَا، والدَّمْعُ يُسَابِقُنِي إِلَيْهَا، وَبَدَأَتْ قُوَايَ كُلُّها تَنْهارُ، كَعِمارَةٍ شَدَّتْ فِي أَسْفَلِها عُبُوَّةٌ مُتَفَجِّرَةٌ، وَانْفَجَرْتُ أَصيَحُ وَأَصْرُخُ: أُمِّي أُمِّي أُمِّي. . . وَتَأَلَّمَ لِأَلَمي حائِطُ الغُرْفَةِ، حَتَّى خِلْتُهُ يَتَمايَلُ مِنْ الفَزَعِ والْقَهْرِ، وَنُكِّسَتْ سَتَائِرُ الغُرْفَةِ، فَانْهَارَتْ تَحْتَ قَدَمِي بِلَا حَراكٍ.
وَهَرَعَ جِيرَانُنَا بِلَا اسْتِئْذانٍ أَوْ تَنَحْنُحٍ ، فَاقْتَحَموا البَيْتَ، وَعَبَثًا حَاوَلُوا أَنْ يُحَرِّرُوا جَسَدِي مِنْ جَسَدِها- كُنَّا كُرَةً واحِدَةً- وَلَمَّا اِسْتَعْصَى عَلَيْهُمُ الأَمْرُ، بَاتُوا يُذَكِّرُونَنِي بِلُطْفٍ مُفْعَمٍ بِمَعَانِي الْإِيمَانِ: المَـَوْتُ حَقٌّ، وَإِكْرامُ المَـَيِّتِ دَفْنُهُ، سَلِي اللَّهَ لَهَا الجَنَّةَ، فَقَدْ اسْتَراحُتْ مِمَّا كَانَتْ فِيه مِنْ مَرِضٍ عُضالٍ. فَانْتَفَضُتُ عَلَى عَجَلٍ أَصيَحَ بِهِمْ: أَنْتُمْ لَا تَفَهُّمونَ، كُلُّكُمْ لَا يَفْهَمُ، ( أَنَأُمِّي ) لَا تَموتُ، ( أَنَأُمِّي ) لَنْ تَموتَ، ( أَنَأُمِّي ) كُنَّا دَوْمًا مَعًا، نَنامُ مَعًا، وَنَأْكُلُ مَعًا، ( أَنَأُمِّي ) كُنَّا نَذْهَبُ دَوْمًا سَويَّةً مَعًا، نَفْرَحُ مَعًا ونَحْزُنُ، وَمَعًا دَوْمًا نَمْضي . . .
وَالتَفَّ حَوْلي مَجْموعَةٌ مِنْ الرِّجالِ، وَأَحْكَمُوا قَبْضَتَهُمْ عَلَيَّ، ثُمَّ سَاقُونِي إِلَى زاويَةِ الغُرْفَةِ، وَقَدْ أَطْبَقُوا أَيْدِيَهُمْ بِإِحْكامٍ عَلَى جَسَدِي، فَحَجْبوا نُورَ الغُرْفَةِ عَنْ جَسَدِي، فَلَمْ أَعُدْ أَرَى مِنْ خَلْفِ أَيْديهمْ شَيْئًا، وَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: عَلَى مَهْلٍ، لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، حَاوِلُوا أَنْ يَكونَ جَسَدُها مُسْتَقِيمًا وَأَنْتُمْ تَرْفَعونَها. عِنْدَئِذٍ اسْتُجْمَعْتُ كُلَّ قُوَايَ، وَحَارَبَتُ تِلْكَ الأَيْدِي بِكُلِّ مَا أُوتيتُ مِنْ قوَّةٍ مَكْبوتَةٍ، حَتَّى اسْتَطَعْتُ أَنْ أَحْفُرَ لِي بَيْنَها بَصيصَ نُورٍ، أَسْتَقِي مِنْهُ صورَةَ أُمِّي، وَقَدْ رُفِعَتْ عَلَى الأَعْناقِ جُثَّةً هَامِدَةً، وَصِرْتُ أَنْظُرُها وأَصيحُ: أُمِّي أَنَا لَا تَتَرُكينِي، وَحيدَةً لَا تَتَرُكينِي، أُمِّي أُمِّي أُمِّي...!
وَغَابَتْ صورَتُها عَنْ عَيْنَيّ، فَاسْتَسْلَمُتُ كَجُثَّةٍ هَامِدَةٍ لِكُلِّ تِلْكَ الأَيْدِي اَلَّتِي طَوَّقَتْنِي مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَدْخَلَتْنِي فِي ظُلْمَةِ الْبَابَادُوكِ .




 


اضافة تعليق

الاسم الشخصي *

 

المنطقة / البلدة

البريد الالكتروني

 

عنوان التعليق *

 

التعليق *

 

الصفحة الاولى | الاعلان في الموقع | اتصلوا بنا |                                                                                                                                                                                               Powered By ARASTAR